الشيخ الأنصاري

370

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

ما ذكره القائلون بأصالة الإباحة من أنه لو كان هناك في الفعل مضرة آجلة لبينها . وثانيا المضرة الدنيوية وتحريمه ثابت شرعا لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ كما استدل به الشيخ أيضا في العدة على دفع أصالة الإباحة وهذا الدليل ومثله رافع للحلية الثابتة بقولهم عليهم السلام ( : كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) . قلت لو سلمنا احتمال المصلحة في عدم بيان الضرر الأخروي إلا أن ( قولهم عليهم السلام : كل شيء لك حلال ) بيان لعدم الضرر الأخروي وأما الضرر الغير الأخروي فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع وآية التهلكة مختصة بمظنة الهلاك وقد صرح الفقهاء في باب المسافر بأن سلوك الطريق الذي يظن معه العطب معصية دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك وكذا في باب التيمم والإفطار لم يرخصوا إلا مع ظن الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشك . نعم ذكر قليل من متأخري المتأخرين انسحاب حكم الإفطار والتيمم مع الشك أيضا لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر بل لدعوى تعلق الحكم في الأدلة بخوف الضرر الصادق مع الشك بل مع بعض أفراد الوهم أيضا . لكن الإنصاف إلزام العقل بدفع الضرر المشكوك فيه كالحكم بدفع الضرر المتيقن كما يعلم بالوجدان عند وجود مائع محتمل السمية إذا فرض تساوي الاحتمالين من جميع الوجوه لكن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المتيقن إنما هو بملاحظة نفس الضرر الدنيوي من حيث هو كما يحكم بوجوب دفع الضرر الأخروي كذلك إلا أنه قد يتحد مع الضرر الدنيوي عنوان يترتب عليه نفع أخروي فلا يستقل العقل بوجوب دفعه ولذا لا ينكر العقل أمر الشارع بتسليم النفس للحدود والقصاص وتعريضها له في الجهاد والإكراه على القتل أو على الارتداد وحينئذ فالضرر الدنيوي المقطوع يجوز أن يبيحه الشارع لمصلحة فإباحته للضرر المشكوك لمصلحة الترخيص على العباد أو لغيرها من المصالح أولى بالجواز : فإن قلت إذا فرضنا قيام أمارة غير معتبرة على الحرمة فيظن الضرر فيجب دفعه مع انعقاد الإجماع على عدم الفرق بين الشك والظن الغير المعتبر . قلنا الظن بالحرمة لا يستلزم الظن بالضرر أما الأخروي فلأن المفروض عدم البيان فيقبح وأما الدنيوي فلأن الحرمة لا تلازم الضرر الدنيوي بل القطع بها أيضا لا يلازمه لاحتمال انحصار المفسدة فيما يتعلق بالأمور الأخروية ولو فرض حصول الظن بالضرر الدنيوي فلا محيص عن التزام حرمته كسائر ما ظن فيه الضرر الدنيوي من الحركات والسكنات